شارل هوبير
29
رحلة في الجزيرة العربية الوسطي
رعاياه له . فقد افتدى شخصه الثمين مقابل ألفين وثمانمئة جمل ، وأربعمئة درع وما يعادلها من الرماح وحضر شخصيا أمام النبيل في المدينة بثوب من الحرير والذهب وقد علق صليبا من الذهب على صدره . واعتنق الإسلام هو وشعبه وحافظ على عرشه بدفع الجزية « 1 » . وبحسب ما أورده بعض المؤلفين فإن الجوف كغيرها من البقاع ضمت سكانا بدلوا مرارا معتقداتهم الدينية عبر التاريخ ، وتنقلوا من الوثنية إلى اليهودية فالنصرانية وأخيرا الإسلام . اعتبارا من ذلك الزمن فقدت الجوف دورها ولم يعد الجغرافيون العرب الإدريسي وياقوت أو حمداني يذكرونها إلا بالاسم . في أواخر القرن الماضي ، ضمت الجوف إلى الوهابيين بعد ان شهدت حربا أهلية وأرسل إليها ابن سعود حاكما لوقف الاضطرابات وخطباء لتوعية الناس . وجاء تدمير الإمبراطورية الوهابية على يد محمد علي ، باشا مصر ، فعادت الفوضى إلى الجوف . وقد دام هذا الوضع حتى عام 1838 وهي الحقبة التي احتل فيها عبد الله بن الرشيد مجددا الجوف لحسابه الخاص لدى قيامه بنجدة مواطنيه شمّر الذين كانوا في صراع مع سكان سوق دلهمية Delhemiat المقيمين في حي الخراوي وكانوا قد أصبحوا في فترة معينة الأكثر ضعفا . وبذلك وفق بين الجميع . كان هذا الوضع الجديد ضاغطا على الجوفيين وما أن أدركوا ضعف حكم ابن سعود حتى فكروا في استغلاله لاسترداد استقلالهم . فثاروا وطردوا الأمير الشمّري . ومن المرجح أن يكون الرولا Rouala قد دفعوهم إلى ذلك إذ إن قبيلتي نايف وشعلان كانتا منذ أمد بعيد تستفيدان من ضريبة صغيرة من الجوف كما وأنهم إلى جانب عداوتهم الدائمة لشمّر لم يكونوا يوما حتى في عصرهم الذهبي أصدقاء الوهابيين . ومهما يكن من أمر فإن الأمير الشمّري طلال بن رشيد الذي كان يحكم آنذاك لم
--> ( 1 ) ذكر ابن هشام في السيرة النبوية ج 2 أن رسول اللّه [ صلّى اللّه عليه وسلّم ] بعث خالدا بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة وكان نصرانيا ثريا ، فترصد له خالد وانقض على فرسانه فقتل أخاه ، وأسر أكيدر وأرسله إلى النبي محمد [ صلّى اللّه عليه وسلّم ] : « فحقن دمه ، وصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته » . ابن هشام : « السيرة النبوية » ج 2 ص 526 .